حماية الدائن غير المبلّغ في إجراء التصفية وأثر تحول المؤسسة الفردية إلى شركة

 

تُعد إجراءات الإفلاس من الوسائل النظامية التي تهدف إلى تنظيم معالجة أوضاع المدين المتعثر أو المفلس، وتحقيق التوازن بين مصلحة المدين وحقوق الدائنين، ومن أبرز هذه الإجراءات إجراء التصفية الذي يهدف إلى بيع أصول المدين وتوزيع حصيلة البيع على الدائنين وفقًا لأحكام نظام الإفلاس السعودي.

وقد تبرز إشكالية عملية عندما يكون للدائن دين ثابت ومستحق قبل افتتاح إجراء التصفية، إلا أنه لا يعلم بافتتاح الإجراء ولم يتمكن من تقديم مطالبته خلال المدة المحددة نظامًا، ثم يكتشف ذلك بعد انتهاء مدة تقديم المطالبات أو حتى بعد انتهاء إجراء التصفية.

وتزداد أهمية هذه المسألة إذا كانت المنشأة المدينة قد كانت في الأصل مؤسسة فردية ثم تحولت إلى شركة، وكان الدين قد نشأ قبل هذا التحول.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال مهم:

ما مدى حماية الدائن الذي لم يُبلّغ بإجراء التصفية، وما أثر عدم التبليغ على حقه في تقديم المطالبة، وهل تبقى مسؤولية مالك المؤسسة الفردية عن الديون السابقة بعد تحولها إلى شركة؟

 

أولاً: حق الدائن في تقديم مطالبته في إجراء التصفية

بيّن نظام الإفلاس السعودي إجراءات تقديم المطالبات من الدائنين، وجعل تقديم المطالبة من الوسائل الأساسية التي تمكن الدائن من الدخول في إجراءات الإفلاس والمشاركة في توزيع حصيلة أصول المدين.

ويجب التمييز هنا بين إجراء التصفية وإجراء التصفية الإدارية؛ إذ تختلف الأحكام المنظمة لكل إجراء.

وبالنسبة لإجراء التصفية، فقد وضّح النظام السعودي المدة والإجراءات المتعلقة بتقديم المطالبات، كما نظمت اللائحة التنفيذية الحالات التي يتقدم فيها الدائن بمطالبته بعد انتهاء المدة الأصلية.

ومن المهم عدم تطبيق الأحكام الخاصة بالتصفية الإدارية على التصفية العادية لمجرد كون كلاهما من إجراءات الإفلاس.

ثانيًا: تبليغ الدائن وتعذر التبليغ

حرص نظام الإفلاس ولائحته التنفيذية على تنظيم إجراءات التبليغ والإعلان باعتبارهما من الوسائل الأساسية لإحاطة أصحاب المصلحة بالإجراءات التي تؤثر في حقوقهم.

وقد نظمت المادة (6) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس أحكام التبليغ، وبينت أنه عند تعذر التبليغ يتم اللجوء إلى الإعلان، وتسري آثار التبليغ من تاريخ الإعلان.

كما نظمت المادة (8) من اللائحة التنفيذية وسائل التبليغ، ومن بينها الوسائل الإلكترونية والعنوان الوطني وغيرها من الوسائل المحددة نظامًا.

وأوجبت المادة (7) من اللائحة التنفيذية توثيق الأعمال التي تتم في إجراء الإفلاس، وهو ما يجعل مستندات التبليغ ومحاضر الإجراءات من المستندات المهمة عند التحقق من صحة الإجراءات.

وبناءً على ذلك، فإن مجرد القول بأن الدائن تعذر تبليغه لا يكفي وحده لحسم المسألة، وإنما ينبغي الرجوع إلى ملف الإفلاس للتحقق من:

-1 الوسيلة التي استخدمت في التبليغ.

2- نتيجة محاولة التبليغ.

3- سبب تعذر التبليغ.

4- الإعلان الذي تم بعد تعذر التبليغ.

5- تاريخ الإعلان.

6- ما إذا كان الدائن من الدائنين المعلومين لدى الأمين.

ثالثًا: أثر فوات مدة تقديم المطالبة

لا يعني انتهاء المدة الأصلية لتقديم المطالبات في جميع الأحوال انتهاء إمكانية تقديم المطالبة.

فقد عالجت المادة (112) نظام الإفلاس حالة تقديم الدائن مطالبته بعد انتهاء المدة المحددة لتقديم المطالبات وهي: 90 يومًا المحددة في المادة 56 من النظام، وذلك متى كان تقديمها قبل التوزيع النهائي لبيع أصول المدين الخاضع لإجراء الإفلاس.

وتمنح هذه المادة الأمين صلاحية النظر في المطالبة المتأخرة ورفع توصيته إلى المحكمة بقبول المطالبة أو رفضها أو عرضها على خبير بحسب الحالة.

ويظهر من ذلك أن النظام لم يجعل مجرد فوات المدة الأصلية سببًا كافيًا في جميع الحالات لمنع الدائن من تقديم مطالبته، وإنما نظم حالة المطالبة المتأخرة وربطها بمرحلة التوزيع النهائي.

وعليه، فإن الدائن الذي اكتشف إجراء الإفلاس بعد انتهاء مدة تقديم المطالبات يجب عليه التحقق أولًا مما إذا كان التوزيع النهائي قد تم أم لا.

رابعًا: الدائن الذي لم يُبلّغ بإجراء التصفية

إذا كان الدائن معلومًا لدى المدين أو أمين الإفلاس، أو كان اسمه مدرجًا ضمن مستندات أو قوائم إجراء التصفية، ثم لم يتم تبليغه وفق الإجراءات النظامية، فإن ذلك يثير مسألة مهمة تتعلق بمدى سلامة الإجراءات التي اتخذت في مواجهته.

ولا يكفي في هذه الحالة إثبات وجود إعلان عام عن افتتاح الإجراء دون التحقق من مدى استيفاء إجراءات التبليغ المقررة للدائنين المعلومين.

ومن ثم، فإن الدائن الذي يدعي عدم تبليغه ينبغي أن يطلب الاطلاع على ملف الإفلاس للتحقق من وجود:

•      إثبات التبليغ.

•      تاريخ التبليغ.

•      وسيلة التبليغ.

•      إثبات تعذر التبليغ – إن وجد.

•      الإعلان البديل.

•      قائمة الدائنين.

•      قرارات التوزيع.

•      التقرير النهائي للأمين.

وتزداد أهمية ذلك إذا كان اسم الدائن موجودًا بالفعل في ملف الإفلاس؛ إذ إن وجود الاسم قد يمثل قرينة مهمة على علم القائم على الإجراء بوجود الدائن، ويستوجب التحقق من الإجراءات التي اتخذت لتبليغه.

خامسًا: أثر التوزيع النهائي وإنهاء إجراء التصفية

تختلف حالة الدائن الذي اكتشف الإفلاس قبل التوزيع النهائي عن حالة الدائن الذي لم يعلم إلا بعد انتهاء التصفية والتوزيع النهائي.

ففي الحالة الأولى، يستطيع الدائن بحث إمكانية تقديم المطالبة المتأخرة وفق المادة (112) من نظام الإفلاس.

أما إذا كان التوزيع النهائي قد تم وانتهى إجراء التصفية، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا، ولا يوجد في النظام نص عام يقرر أن عدم التبليغ يؤدي تلقائيًا إلى إعادة فتح التصفية أو إلزام الشركاء بسداد الدين من أموالهم الخاصة.

وفي هذه الحالة يجب بحث:

1- مدى صحة إجراءات التبليغ.

2- ما إذا كان الدائن معلومًا لدى الأمين.

3- ما إذا كان قد حُرم فعليًا من المشاركة في التوزيع بسبب عدم التبليغ.

4- ما إذا كان هناك إخلال من الأمين أو المدين أدى إلى ضياع حق الدائن.

ومن ثم، فإن انتهاء التصفية لا يعني بالضرورة أن الدائن فقد كل وسيلة قانونية، لكنه يجعل تحديد الطريق القضائي المناسب أكثر أهمية.

سادسًا: مسؤولية مالك المؤسسة الفردية عن الديون السابقة للتحول إلى شركة

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة إذا كانت الشركة المدينة قد نشأت نتيجة تحويل مؤسسة فردية إلى شركة.

فقد نصت المادة (220/3) من نظام الشركات على جواز نقل أصول المؤسسة الفردية إلى أي شكل من أشكال الشركات التي تؤسس وفق النظام، إلا أن هذا التحول لا يترتب عليه إبراء ذمة أصحاب المؤسسات الفردية من مسؤولياتهم عن ديون والتزامات المؤسسة الفردية السابقة لتأسيس الشركة، إلا إذا قبل الدائنون ذلك صراحة.

وبناءً على ذلك، فإذا ثبت أن الدين:

•      نشأ قبل تحول المؤسسة الفردية إلى شركة،

•      وكان متعلقًا بالتزامات المؤسسة الفردية،

•      ولم يوافق الدائن صراحة على إبراء ذمة مالك المؤسسة،

فإن مسؤولية مالك المؤسسة الفردية عن الدين السابق للتحول تظل قائمة وفقًا للمادة (220/3) من نظام الشركات.

وهذا يفتح للدائن مسارًا قانونيًا مستقلًا عن إجراءات الإفلاس، بحسب ظروف الواقعة ونوع الشركة وطبيعة التحول.

سابعًا: التطبيق العملي على الدائن غير المبلّغ

مثال: شركة كانت في الأصل مؤسسة فردية، وكان لديها التزام مالي تجاه أحد الموردين بمبلغ معين، ثم تحولت المؤسسة إلى شركة، وبعد ذلك افتتح بحق الشركة إجراء التصفية.

وكان الدين قد نشأ قبل التحول، وكان اسم الدائن أو بيانات دينه موجودًا في ملف الشركة أو مستنداتها، إلا أن الدائن لم يعلم بافتتاح إجراء التصفية، ولم يقدم مطالبته خلال المدة المحددة، ثم علم بالإجراء بعد مرور عدة أشهر وانتهاء التصفية.

في هذه الحالة، ينبغي للدائن اتخاذ الخطوات الآتية:

أولًا: الحصول على ملف إجراء التصفية كاملًا.

ثانيًا: التحقق من وجود اسمه في قائمة الدائنين.

ثالثًا: التحقق من وجود ما يثبت تبليغه.

رابعًا: إذا دفع الأمين بتعذر التبليغ، طلب مستندات إثبات التعذر والإعلان البديل.

خامسًا: التحقق من تاريخ التوزيع النهائي.

سادسًا: إذا لم يكن التوزيع النهائي قد تم، تقديم المطالبة المتأخرة وفق المادة (112) من نظام الافلاس.

سابعًا: إذا كان التوزيع النهائي قد تم، دراسة أثر الإخلال بإجراءات التبليغ والوسيلة القضائية المناسبة لحماية حق الدائن.

ثامنًا: إذا كان الدين سابقًا على تحول المؤسسة الفردية إلى شركة، دراسة الرجوع على مالك المؤسسة السابقة استنادًا إلى المادة (220/3) من نظام الشركات

الخلاصة

يتضح مما سبق أن عدم علم الدائن بإجراء التصفية لا ينبغي أن يؤدي إلى افتراض سقوط حقه بصورة تلقائية، وإنما يجب التحقق من صحة إجراءات التبليغ والإعلان، ومدى علم الأمين بالدائن، والمرحلة التي وصل إليها إجراء التصفية.

وقد وفر النظام واللائحة التنفيذية آليات للتعامل مع المطالبات المتأخرة، ومن أبرزها المادة (112) من نظام الإفلاس التي عالجت تقديم المطالبة بعد انتهاء المدة الأصلية وقبل التوزيع النهائي.

أما في حال انتهاء التصفية والتوزيع النهائي، فإن حماية الدائن تعتمد على الوقائع والإجراءات التي تمت في ملف الإفلاس، ولا سيما مدى صحة تبليغه، وما إذا كان عدم التبليغ قد أدى إلى حرمانه من ممارسة حقه في تقديم المطالبة والمشاركة في التوزيع.

كما أن تحول المؤسسة الفردية إلى شركة لا يؤدي بذاته إلى إبراء ذمة مالك المؤسسة من الديون السابقة للتحول، وفقًا لما قررته المادة (220/3) من نظام الشركات، ما لم يقبل الدائن إبراء الذمة صراحة.

وعليه، فإن الدائن الذي اكتشف إفلاس مدينه بعد فوات مدة المطالبة لا ينبغي أن يكتفي بالقول إنه لم يعلم بالإفلاس، وإنما يجب عليه فحص ملف الإفلاس، وإثبات حقيقة عدم التبليغ، وتحديد مرحلة الإجراء، ثم اختيار المسار النظامي المناسب لاستيفاء حقه

 

إعداد/ المحامية ريما البليهي